يعقوب السِفْري
على مدى العقدين الماضيين تطورت عمليات التمويل التجاري في البنوك العالمية و الإقليمية تطوراً كبيراً لدرجة أصبحت معه قواعد غرفة التجارة الدولية الخاصة بالإعتمادات المستندية و التحاصيل تُشَكِّل الحد الأدنى من المتطلبات العملية اللازم تطبيقها لحماية البنك من المسؤوليات القانونية التي عادة ما تنجم عن أخطاء فنية تُرتكب خلال إتمام العمليات المُعقدة لمُعاملات الإستيراد و التصدير.و
أما صعوبة العمليات التجارية فلا تكمن في ضرورة تطبيق هذه المجموعات من القواعد الرسمية فحسب، و لكن أيضاً في مُتابعة و تسجيل المسؤوليات المُتداخلة و المُتغيرة لأطراف المُعاملة التجارية خلال المراحل العديدة لعملية الإستيراد أو التصدير . فكل خطوة في عملية تنفيذ الإعتماد المستندي على سبيل المثال، تُشكل مُخاطرة على البنك تُساوي قيمة الإعتماد نفسه و ما قد يترتب عليه من مصاريف قانونية و كلفة إدارية عالية حال حدوث خطأ في التنفيذ.و
و بكلمات أبسط فالعمليات التجارية تنطوي على صعوبة جمة ناجمة عن اختلاف المُدخلات المحاسبية السليمة الواجب تنفيذها في المراحل العديدة للإعتماد المستندي، و أيضاً عن عملية الرقابة الدائمة بواسطة التقارير الإلكترونية اليومية و الشهرية لضبط العمليات ليس فقط من قبل مدير دائرة الإعتمادات المستندية ولكن الإدارات العليا و دوائر التدقيق و الرقابة المالية. و
و عليه فإنه من البديهي أن يعمل البنك التجاري على وضع تعليمات دقيقة و سليمة لكل خطوة من هذه الخطوات الإجرائية وأيضاً لكل مُستند مُقَدَّم بموجب الإعتماد و ذلك بهدف تفادي كافة الأخطاء الفنية و مخاطر العمليات و من ثم ضمان سلامة تنفيذ عملية الإستيراد أو التصدير، فمُجرد تطبيق القواعد الرسمية السالفة الذكر لا يكفي لحماية البنك من مخاطر عمليات التمويل التجاري.و
و من المُتعارف عليه في العمل المصرفي أنه في معظم الحالات يستطيع البنك تحمل هذه المسؤوليات القانونية التي قد تقع على عاتقه، و إن كانت كلفة هذه الأخطاء باهظة، حيث تحترز البنوك لمثل هذه القضايا بتخصيص إحتياطيات سنوية لمخاطر عملياتها.و
أما ما لا يستطيع البنك أن يتحمله فهو المسؤولية الإجتماعية حيث أن التَوَّرُط بأي معاملة غير قانونية، كمُعاملات تبييض الأموال على سبيل المثال، يعني النهاية المؤكدة لهذا البنك لأنه دائماً ما يبتعد العملاء من المودعين و التجار و المستثمرين عن أي مؤسسة مالية يَثبُت تورطها في مثل هذه المعاملات. إضافة إلى أن القانون يمنع بحزم تبييض أموال الجرائم كالمخدرات، و الإحتيال التجاري و الممارسات اللا أخلاقية و الرِق و غيرها من الجرائم التي ترفضها الأفراد و المجتمعات على حد سواء.
و لذلك تُدرك البنوك تماماً أن مسؤوليتها المهنية و الإجتماعية تتطلب منها ضمان سلامة المُعاملة التجارية كَكُل و ليس فقط سلامة المُستندات التي تُقدَّم بموجب هذه المُعاملة علماً أن الأعراف 600 و بقية الأعراف التجارية تعفي البنك من أي مسؤولية بإستثناء مسؤولية فحص المُستندات على وجهها للتأكد من مُطابقتها لشروط و ترتيبات الإعتماد حيث بحسب هذه الأعراف البنك يتعامل بالمستندات فقط و ليس بالبضائع أو الخدمات.
بعبارات أبسط فإن الأعراف 600 تَنُص على أنه لو قُدِّمَت مجموعة من المستندات الوهمية أو المزيفة لبنك تجاري و كانت هذه المستندات مُزبفة بشكل مُتقن بحيث كانت تبدو بأنها سليمة، فإن البنك مُعفى كلياً من أي مسؤولية قانونية قد تترتب على تنفيذ هذه المُعاملة. كما أن البنك ليس مُلزماً بالتأكد من أنه تم حقيقةً شحن البضاعة التي نص عليها الإعتماد، فلو شُحنت بضاعة أخرى أو بضاعة مُخالفة للمواصفات أو لم تُشَحن أي بضاعة على الإطلاق كما في حالات تبييض الأموال فيُعفى البنك هنا أيضاً من أي مسؤولية قانونية. و لكن من المهم أن ننتبه إلى حقيقة ثابتة في العمل المصرفي و هي أن المسؤولية القانونية ليست أولى أولويات البنك لأنها فعلياً لا تُذكر مُقارنة مع المسؤولية الإجتماعية التي تُماثلها بعشرات الأضعاف، فالبنوك اليوم تتناول عمليات التمويل التجاري لديها بعناية فائقة كي تضمن قيامها بتنفيذ المُعاملات الحقيقية و السليمة فقط لأنه لو ثبت تورطها بمُعاملة تبييض أموال فذلك يعني نهايتها المؤكدة حيث تفقد سمعتها و ثقة الجمهور فيها … و يُقال أن سُمعة البنك ككأس من الكريستال متى شُعرت لا يُمكن إصلاحها ثانيةً.
و نظراً لصعوبة عمليات التجارة الدولية، فإن مُراقبة و ضبط عمليات تبييض الأموال فيها بشكل فعَّال أمرٌ شديد الصعوبة و بحاجة إلى مهنيين مُتخصصين يعملون ضمن نظام عمليات تام لتحقيق أهداف إستراتيجية و ليس لتنفيذ مجموعة معاملات مُنفردة. إذن مُراقبة و ضبط العمليات التجارية ليس بسهولة مراقبة و ضبط عمليات الخدمات التقليدية التي تقدمها البنوك كالودائع و الحوالات و القروض و الفوركس و غيرها لأن تبييض الأموال عبر العمليات التجارية عادة ما يُنَّفَذ عن طريق عصابات مُنظمة تتكون من عدد غير قليل من الشركات التجارية المُسجلة قانونياً و المُلِمة بعمليات البنوك الخارجية و لذلك تُصَّنّف ضمن الجريمة التجارية المُنَظمة.
الآن لنأخذ بعض الأمثلة التي تُظهر خطورة تبييض الأموال في العمليات التجارية و ضرورة إستئصال هذه الآفة كلياً من كل البنوك لإنعكاساتها السلبية على الإقتصاد الوطني و من ثم المجتمع ككل:-
أ. قدَّرَ مكتب مكافحة الجريمة التجارية التابع لرئاسة الوزراء الفرنسية أن مُعاملات تبييض الأموال و الإحتيال التجاري بواسطة إعتمادات الستاندباي تجاوز 10 مليون دولار يومياً.
ب. بلغت خسائر المملكة العربية السعودية من عمليات تبييض الأموال و الإحتيال التجاري في عام 2001 فقط ما لا يقل عن 4 مليار دولار.
ت. في 19اغسطس1999 أعلن مسؤول رفيع في بنك أوف نيويورك بأن السلطات الفيدرالية تقوم بالتحقيق مع بنكه فيما يتعلق بمُعاملات تبييض أموال بقيمة 10 مليار دولار. و تبين خلال التحقيق و على أثر فحص المستندات الخاصة بهذه المُعاملات أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يَصِل إلى 4 مليار دولار قد تم تحويله عبر بنوك أوروبية إلى مكاتب بنك أوف نيويورك في لندن. و يذكر التحقيق أيضاً أن ما لا يقل عن 200 مليون دولار بُيِّضَت عبر بنك اوف نيويورك كانت قد صدرت على شكل قروض ممنوحة من صندوق النقد الدولي IMF لروسيا.
ث. قَدَّرت مجلة الإقتصادي الدولية “Economist” أن حجم الأموال المُبَيَّضة سنوياً عبر النظام المصرفي الدولي برمته تتجاوز الترليار و خمسمائة مليار دولار. نعم أخي القاريء و أختي القارئة يتجاوز المبلغ المُبَيَّض عبر بنوك العالم الترليار و خمسمائة مليار دولار سنوياً و نستطيع جميعاً أن نتخيل فداحة هذا الرقم الفلكي و حجم العمليات غير القانونية المقيتة التي نجم عنها هذه المبلغ. و لذلك نحن معنيين في هذا الوطن العزيز و الغالي أن نبذل كل ما في و سعنا لإستئصال هذه الآفة كلياً من قطاعاتنا المصرفية فنساعد رجال القانون ليوقفوا من يقومون عليها سواء قصداً أم إهمالاً فتأخذ العدالة مجراها و من ثم نصل إلى المجتمع الآمن في هذا الأردن البهي المُشرق دائماً بإذنه تعالى.
أما كيف تتم عملية تبييض الأموال بشكلها الأولي، فيمكن توضيحها مبدئياً بواسطة المثال التالي: يتفق تاجران مُتواطئان عبر الحدود على عملية تجارية، و سنفترض في هذا المثال أن العملية المُتَفَق عليها وهمية، فيقوم التاجر المستورد/ طالب فتح الإعتماد بتقديم طلب إصدار إعتماد مستندي للبنك الذي يتعامل معه، فيقوم البنك بإصدار الإعتماد لصالح التاجر الآخر، و يُسمى “المُستفيد”، في البلد الآخر الذي يقطنه و يُبلغه الإعتماد عن طريق بنك آخر موجود حيث يسكن المستفيد و يُسمى البنك المُبَّلِغ فيقوم هذا الأخير بتبليغ الإعتماد للمستفيد إما دون أي مسؤولية عليه أو كبنك وكيل. و لدى إستلام المستفيد/التاجر المُتواطئ للإعتماد يقوم بتحضير مجموعة من المستندات المُزورة بشكل مُتقن بحيث تبدو أنها خالية من المخالفات، و من ثم يُقدم المستندات للبنك المُبلِّغ فيقوم هذا بدوره بإعادتها إلى البنك مصدر الإعتماد الذي يفحصها فإن كانت خالية من المُخالفات يقوم بتحويل قيمتها، و إن وجد فيها مُخالفات يقوم بعرضها على التاجر المستورد الذي يقبلها بدوره فيقوم عندها البنك المُصدر الإعتماد بتحويل قيمتها للمستفيد، و هنا تمت عملية تبييض الأموال حيث حُوِّلت أموال غير قانونية عبر الجهاز المصرفي الدولي على أنها ثمن بضائع فأصبحت أموال نظيفة يمكن بالتالي إستخدامها لشراء ممتلكات أو حفظها بأمان في حسابات بنكية مشروعة.
و من هنا نستطيع أن نفهم خطورة تبييض الأموال و لزوم إستئصال هذه الآفة المُدمرة من القطاعات المصرفية لندرء نتائجها السلبية عن القطاع المصرفي خصوصاً و المجتمع عموماً. و لهذه الأسباب تحديداً، تقوم البنوك بشكل عام بمراجعة و دراسة عملياتها التجارية بدقة متناهية بحثاً عن مواطئ الضعف و عدم الكفاءة بهدف تعزيز هذه العمليات عن طريق وضع ضوابط عملياتية فعالة و تعليمات داخلية مبنية على الاسس العلمية المُثبتة لإدارة مخاطر العمليات بحيث تعمل كل هذه الضوابط و التعليمات و التوجيهات الإدارية ضمن نظام عملياتي كامل مُتكامل يضمن تنفيذ المُعاملات السليمة فقط و إيقاف كل المعاملات غير السليمة سواء كانت خاطئة أو إحتيالية مغشوشة أو وهمية لتبييض الأموال.
إذن حقيقةً أن مجموعات الأحكام الرسمية الصادرة عن غرفة التجارة الدولية و التي ذكرناها سابقاً في بداية هذا المقال تُشكل الحد الأدنى من المتطلبات الواجب تنفيذها لتجنيب البنك المسؤولية القانونية، و لكنها ليس كافية أبداً لحماية البنك من المسؤولية الإجتماعية المهنية التي تُعتبر أولى أولويات كل مؤسسة مالية.
و من الجدير بالذكر أن البنوك معنية أيضاً بتدريب كل كادرها الوظيفي على عمليات التجارة الخارجية بما فيهم العاملون في دوائر الخدمات التجارية بكافة درجاتهم و المدققون و مدراء و ضباط الإئتمان المصرفي المسؤولين عن منح سقوف الإستيراد و التصدير إضافة إلى المدققين و العاملون في دوائر الإمتثال المصرفي و أحياناً كثيرة العاملون بالفروع فهم مطالبون بتسويق الخدمات التجارية للبنك و بالتالي لا بد من أن يفهمو الموضوع بدقة.
و هنا لا بد من التنويه بأن تدريب المصرفيين على عمليات الإعتمادات المستندية هو تخصص مُستقل قائم بحد ذاته، فلا يكفي أن يكون المُدَرِّب خبير إعتمادات ليتمكن من نقل المعرفة الفنية المتخصصة بطريقة فَعَّالة تُمَكِّن المُتَدرِب من تطبيق المادة بشكل سليم و بالتالي تأدية عمله اليومي دون أخطاء. بل يجب أيضاً أن يكون المدَّرِب خبير مُتخصص في تدريب الإعتمادات فهنالك ترتيب للمحاضرات و أساليب مُتباينة في الشرح ترتكز على تسلسل مدروس للمادة مُغاير لترتيب مواد الأحكام و على سايكولوجية المتدرب في وقت معين و خلفيته عن المادة إضافة إلى التوقيت السليم الذي يعتبر العامل الأهم. أما إذا اعتمدت العملية التدريبية على التلقين بسرد المحاضر للمادة برتابة على مدى الدورة كاملة، فإن هذه العملية برمتها تؤول للفشل. كما أن نقل معلومات جزئية غير كاملة و شاملة في هذه المادة تحديداً، عادة ما يؤدي عند التطبيق إلى مشاكل قانونية و خسائر مالية تؤثر على كل من البنك و الموظف على حد سواء.
كما أن نقل المعلومة بطريقة سليمة يتطلب الحديث بلغتين فنيتين في آنٍ واحد: ألعربية و الإنجليزية. بينما الشرح بالإنجليزية لموظفي البنوك المبتدئين و المتوسطين غالباً ما يعني إستقبال المعلومة بالغة الإنجليزية العامة و بالتالي يحدث خلل في العملية التدريبية يؤدي إلى فشلها بالكامل، أما الشرح باللغة العربية وحدها فيؤدي إلى صعوبة في فهم الأحكام بالإنجليزية عند الحاجة لها. و لذلك فالتدريب الفعَّال هو السبيل الوحيد لنتائج باهرة و متفوقة بإذنه تعالى.و
يعقوب الياس السِفري
حقوق النشر محفوظة

